«First Bank» يحلل : الذهب أمام اختبار العوائد والطلب العالمي.. هل يمتد التصحيح خلال الأيام المقبلة؟
شيماء ناصر
دخل الذهب العالمي نهاية سبتمبر أمام اختبار مختلف بعد موجة الصعود القوية التي قادته إلى مستويات قياسية خلال 2026؛ فالمعدن يواجه حاليًا بيئة نقدية أكثر صعوبة مع ارتفاع العوائد الأمريكية وقوة الدولار وتغير توقعات الفائدة، بينما لا تزال مشتريات البنوك المركزية والطلب الاستثماري توفر دعمًا للسوق؛ ومن هنا يبرز السؤال الأهم: أي هذه المحركات سيكون أكثر تأثيرًا في اتجاه الذهب خلال الأيام المقبلة؟
وجاءت الحركة الأخيرة لتمنح السؤال وزنًا أكبر؛ فقد هبط الذهب الفوري بنحو 3.6% في جلسة 28 سبتمبر إلى 4,110.55 دولار للأوقية، وهو أدنى مستوى له منذ 5 أغسطس، قبل أن يستعيد جزءًا من خسائره في بداية تعاملات 29 سبتمبر، مرتفعًا إلى نحو 4,143.87 دولار؛ وجاءت الحركة بالتزامن مع صعود عوائد الخزانة الأمريكية.
ولا يكمن العامل الأكثر أهمية في سعر الفائدة الاسمي وحده، وإنما في العائد الحقيقي الذي يمكن للمستثمر الحصول عليه من الأصول الأمريكية بعد احتساب التضخم؛ فالذهب لا يولد عائدًا دوريًا، ولذلك تصبح تكلفة الاحتفاظ به أعلى نسبيًا عندما ترتفع جاذبية العائد الحقيقي على الأصول الآمنة؛ ومن هنا تنتقل آثار السياسة النقدية إلى الذهب؛ فتوقعات الفيدرالي تؤثر في عوائد السندات الأمريكية، وارتفاع هذه العوائد يزيد جاذبية الأصول المدرة للعائد مقارنة بالذهب، بما قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع أموالهم بعيدًا عن المعدن.
ويأتي الدولار كحلقة إضافية في هذه السلسلة؛ فقوته تجعل الذهب المقوم بالدولار أكثر تكلفة للمشترين بعملات أخرى، وتعكس في الوقت نفسه ارتفاع جاذبية الأصول الأمريكية؛ وقد ظل الدولار قرب أعلى مستوياته في شهرين مع صعود العوائد وتزايد رهانات الأسواق على استمرار التشدد النقدي.
لكن الذهب لا يتحرك بالكامل وفق هذه الدورة النقدية؛ فقد بلغ إجمالي الطلب العالمي، بما يشمل التعاملات خارج البورصة، 2,522 طنًا خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 2% على أساس سنوي، بقيمة 380 مليار دولار؛ كما ارتفعت مشتريات البنوك المركزية إلى 288.9 طنًا خلال الربع الثاني، مقابل 177.9 طنًا في الربع الثاني من 2025.
وفي المقابل، ظهرت حساسية المستثمرين للبيئة النقدية بصورة أوضح في صناديق الذهب المتداولة، التي سجلت صافي خروج بلغ 45 طنًا خلال الربع الثاني، بينما ظلت حيازاتها في نهاية النصف الأول أعلى من بداية العام بنحو 18 طنًا؛ ويربط مجلس الذهب العالمي تغير التدفقات خلال الربع الثاني بضعف الأسعار وارتفاع توقعات التضخم والفائدة وقوة الدولار.
وهنا تكمن النقطة الفاصلة في تحديد المدى القصير: ليست كل مصادر الطلب بالسرعة نفسها في الاستجابة للمتغيرات المالية؛ فالمستثمرين يستطيعون إعادة توزيع مراكزهم خلال جلسات قليلة، بينما تتحرك مشتريات البنوك المركزية وفق اعتبارات استراتيجية أطول أمدًا؛ لذلك، يمكن للذهب أن يمر بتصحيح سعري رغم استمرار الطلب الأساسي عليه.
ويعزز ذلك توقع مجلس الذهب العالمي استمرار الاستثمار كمحرك رئيسي للطلب خلال النصف الثاني من العام، مع مساهمة أكبر من التعاملات خارج البورصة والطلب الآسيوي، بالتوازي مع استمرار مشتريات البنوك المركزية؛ وبذلك، تظل عوامل الدعم قائمة، لكن تأثيرها الزمني يختلف عن تأثير تدفقات الاستثمار الأكثر حساسية للمتغيرات النقدية.
وعند ترجيح هذه العوامل، تميل الكفة حاليًا إلى استمرار الضغط على الذهب في الأجل القصير؛. فارتفاع العوائد وقوة الدولار وتزايد رهانات رفع الفائدة في أكتوبر تشكل بيئة أقل ملاءمة للمعدن، بينما تعمل مشتريات البنوك المركزية والطلب الاستراتيجي كعوامل دعم تحد من عمق التصحيح أكثر مما تمنعه بالضرورة.
لذلك، فإن السيناريو الأقرب خلال الأيام المقبلة هو استمرار التصحيح، وليس هبوطًا متواصلًا بالضرورة في كل جلسة؛ ويظل هذا السيناريو قائمًا طالما حافظت العوائد الأمريكية على ارتفاعها واستمر الدولار قويًا ولم تتغير توقعات الأسواق لمسار الفيدرالي.
وتكتسب البيانات الاقتصادية الأمريكية المرتقبة أهمية خاصة في هذه المرحلة، لأنها قادرة على إعادة تسعير مسار السياسة النقدية بسرعة؛ فإذا جاءت أقوى من المتوقع، فقد تتزايد رهانات التشدد، بما يدعم العوائد ويمد الضغط على الذهب؛ أما إذا جاءت أضعف وأعادت الأسواق إلى تسعير سياسة أقل تشددًا، فقد تتراجع العوائد، ما يمنح المعدن مساحة للارتداد.
وعليه، فإن الحركة الحالية لا تعني أن الذهب فقد مقومات الطلب الأساسية، وإنما أن المحركات الأسرع تأثيرًا على السعر تعمل حاليًا في الاتجاه المعاكس له؛ فالبنوك المركزية والطلب الآسيوي يوفران دعمًا مستمرًا، لكن ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة وتغير تدفقات الاستثمار يمكن أن يفرضا تصحيحًا قصير الأجل قبل أن تتغير البيئة النقدية.
وبالتالي، يظل استمرار التصحيح وإعادة اختبار المستويات الأخيرة هو السيناريو الأقرب خلال الأيام المقبلة، ما لم تتغير معادلة العوائد وتوقعات الفيدرالي؛ فهذه المتغيرات ستحدد ما إذا كان الذهب سيكتفي بإعادة اختبار مستوياته الأخيرة أم سيجد مساحة لاستعادة اتجاهه الصاعد.











