كيف يؤثر قرار رفع «الفائدة» علي أرباح البنوك؟.. «First Bank» يطرح سيناريوهات الصراع بين العوائد والتكلفة

FirstBank

17.11  تريليون جنيه ودائع و11.65 تريليون جنيه قروض أمام اختبار جديد بعد قرار «المركزي»

منافسة مرتقبة على هوامش الربحية.. والبنوك الأقل تكلفة للموارد والأسرع في إعادة تسعير الأصول قد تكون الأكثر استفادة

رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس خلال اجتماعه المنعقد يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، ليفتح بذلك جبهة جديدة للمنافسة داخل القطاع المصرفي المصري، بعدما وضع البنوك أمام معادلة مالية دقيقة، تتمثل في قدرتها على تعظيم المكاسب الناتجة عن ارتفاع عوائد التمويلات والاستثمارات، دون أن تلتهم الزيادة في تكلفة الودائع تلك المكاسب.

ومن المتوقع أن تتباين تداعيات القرار على ربحية البنوك العاملة بالسوق المصري، وفقًا لاختلاف هياكل أصولها والتزاماتها، ومدى قدرتها على الاستفادة من ارتفاع عوائد التمويلات والاستثمارات، مقابل السيطرة على تكلفة الموارد، وهو ما قد يفتح المجال أمام تحولات في المراكز التنافسية للبنوك من حيث مؤشرات الربحية خلال الفترة المقبلة.

وتتضح أهمية هذه المعادلة بالنظر إلى ضخامة الأموال التي يديرها القطاع المصرفي المصري، إذ بلغ إجمالي ودائع العملاء نحو 17.11 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2026، مقابل نحو 11.65 تريليون جنيه لأرصدة الإقراض والخصم، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري.

كما بلغت الودائع لأجل وشهادات الادخار بالجنيه لدى القطاع غير الحكومي نحو 7.69 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2026، بما يمثل 72.5% من إجمالي ودائعه بالعملة المحلية، وهو ما يعكس ضخامة المدخرات التي قد تتأثر بتغيرات أسعار العائد، وفقًا لشروط المنتجات وآجال استحقاقها.

معركة المليارات.. هل تتفوق عوائد التمويلات على تكلفة الودائع؟

وبدأت تداعيات القرار تظهر على بعض المنتجات الادخارية، إذ ارتفع العائد المحسوب على الشهادة البلاتينية متغيرة العائد بالبنك الأهلي المصري إلى 20.5%، مقابل 19.5% قبل القرار، وفقًا لآلية ارتباطها بسعر عائد الإيداع لدى المركزي.

ويعكس ذلك بدء انتقال زيادة الفائدة إلى تكلفة بعض الموارد المصرفية، بينما تتوقف استجابة الإيرادات على طبيعة محافظ التمويلات والاستثمارات ومواعيد إعادة تسعيرها، وهو ما يضع هوامش صافي العائد أمام اختبار جديد.

وتعكس هذه المعادلة حجم التأثير المحتمل لرفع أسعار الفائدة على ربحية البنوك، إذ إن إعادة تسعير ودائع بقيمة 100 مليار جنيه بزيادة نقطة مئوية واحدة قد ترفع مصروفات العائد نظريًا بنحو مليار جنيه سنويًا، في حين قد تحقق التمويلات بالقيمة ذاتها زيادة مماثلة في إيرادات العائد، بافتراض انتقال الزيادة بالكامل وثبات الأرصدة طوال عام.

وتبرز هنا المفارقة الرئيسية؛ إذ قد تحقق البنوك التي تمتلك قاعدة كبيرة من الودائع منخفضة التكلفة وأصولًا سريعة إعادة التسعير استفادة أكبر من ارتفاع الفائدة، بينما قد تتعرض المؤسسات الأكثر اعتمادًا على الشهادات والودائع مرتفعة التكلفة لضغوط على هوامش الربحية.

ولا تقتصر التداعيات على أرباح البنوك، بل قد تمتد إلى الطلب على الائتمان، إذ قد يدفع ارتفاع تكلفة الاقتراض بعض الشركات إلى مراجعة خططها التوسعية والاستثمارية، فضلًا عن احتمالات زيادة الضغوط على جودة المحافظ الائتمانية حال تأثر قدرة بعض العملاء على السداد.

وعلى صعيد الاستثمارات المالية، قد تستفيد البنوك من ارتفاع عوائد أدوات الدين الجديدة، بينما قد تتأثر القيم السوقية لبعض الاستثمارات القائمة ذات العائد الثابت إذا ارتفعت العوائد المطلوبة في السوق.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد يعزز القرار جاذبية الادخار بالجنيه ويسهم في احتواء الضغوط التضخمية، خاصة أنه جاء رغم انخفاض التضخم السنوي إلى 13.9% خلال سبتمبر 2026، بالتزامن مع تسارع التضخم الشهري إلى 1.3%، في ظل توجه المركزي إلى التحوط من المخاطر السعرية المستقبلية.

وفي هذا السياق، تبرز كفاءة إدارة الأصول والالتزامات باعتبارها العامل الحاسم في تحديد مدى استفادة البنوك من رفع أسعار الفائدة، إذ تتفاوت قدرة كل بنك على تحقيق مكاسب فعلية وفقًا لهيكل موارده وتوظيفاته، ومدى قدرته على تحقيق نمو في إيرادات العائد يفوق الزيادة في تكلفة الأموال، مع الحفاظ على جودة محفظته الائتمانية، بما ينعكس في النهاية على صافي أرباحه.

ومن ثم، فإن معركة الربحية المقبلة لن تُحسم بالضرورة لصالح البنوك الأكبر حجمًا، وإنما الأكثر قدرة على حماية هوامش العائد والسيطرة على تكلفة الموارد، وهو ما قد يفتح الباب أمام تحولات جديدة في المراكز التنافسية للبنوك المصرية.