الجنيه تحت ضغط الدولار.. «المركزي المصري» أمام معضلة حماية احتياطي الـ57 مليار دولار دون التضحية باستقرار العملة

FirstBank

تواجه السياسة النقدية المصرية اختبارًا جديدًا مع تجاوز الدولار حاجز 56 جنيهًا خلال تعاملات أكتوبر 2026، رغم وصول الاحتياطي النقدي إلى أعلى مستوياته التاريخية، في مفارقة تثير تساؤلات حول مستقبل الجنيه، ومدى قدرة البنك المركزي على تحقيق التوازن بين مرونة سعر الصرف والحفاظ على قوة الاحتياطيات الدولية.

وسجل الدولار مستويات بلغت 56.35 جنيه للبيع خلال تعاملات الثلاثاء 27 أكتوبر، فيما ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، مقابل 51.45 مليار دولار بنهاية 2025، بزيادة بلغت نحو 5.90 مليار دولار، ونمو نسبته 11.5% خلال 9 أشهر.

واللافت أن مكون العملات الأجنبية بالاحتياطي ارتفع بنحو 6.06 مليار دولار، ليسجل 39.29 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، مقابل 33.23 مليار دولار بنهاية 2025، كما زادت حقوق السحب الخاصة بنحو 546 مليون دولار، بينما انخفضت قيمة الذهب بنحو 710 ملايين دولار لتصل إلى 17.46 مليار دولار.

وتعكس هذه التطورات تحسن رصيد العملات الأجنبية رغم الضغوط على الجنيه، وإن كانت التغيرات في مكونات الاحتياطي لا تعبر بالضرورة عن تدفقات نقدية جديدة بالقيمة نفسها، نتيجة تأثرها أيضًا بتغيرات تقييم العملات والأصول.

وتبرز هنا معادلة شديدة الحساسية؛ فالتدخل باستخدام الاحتياطيات للحد من ارتفاع الدولار قد يوفر استقرارًا مؤقتًا للجنيه، لكنه قد يؤدي إلى استنزاف الموارد الأجنبية حال استمرار الضغوط، بينما تسمح مرونة سعر الصرف بامتصاص جزء منها دون الحاجة إلى الدفاع عن مستوى سعري محدد للعملة.

وتزداد أهمية هذه المعادلة مع تقلبات استثمارات المحافظ الأجنبية، بعدما انخفضت القيمة الدولارية لحيازات غير المقيمين من أدوات الدين الحكومية المحلية من 39.1 مليار دولار في فبراير إلى 22.2 مليار دولار مطلع أبريل 2026، بفارق بلغ 16.9 مليار دولار، وفقًا لصندوق النقد الدولي، قبل أن تتعافى إلى نحو 36.4 مليار دولار بحلول 24 يونيو.

ولا يعكس هذا الفارق بالضرورة خروج تدفقات دولارية فعلية بالقيمة نفسها، نظرًا لتأثر قيمة الحيازات أيضًا بتحركات سعر الصرف.

وفي ضوء هذه التطورات، يظل اختبار الدولار مستوى 58 جنيهًا أحد سيناريوهات الضغط المحتملة قبل نهاية 2026، حال تجدد خروج الاستثمارات الأجنبية أو زيادة الطلب على النقد الأجنبي بما يتجاوز المعروض، دون أن يعني ذلك حتمية الوصول إلى هذا المستوى.

أما الاحتياطي النقدي، فيحتاج إلى زيادة إضافية قدرها نحو 2.65 مليار دولار للوصول إلى 60 مليار دولار بنهاية العام، بمتوسط شهري يقارب 884 مليون دولار خلال الربع الأخير، وهو ما يتطلب تسارع متوسط الزيادة الشهرية بنحو 35% مقارنة بالأشهر التسعة الأولى من 2026، التي سجلت متوسطًا بلغ نحو 655 مليون دولار.

وتدعم فرص استمرار نمو الاحتياطي تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي بلغت 33.9 مليار دولار خلال أول 8 أشهر من 2026، بنمو 27.2%، إلى جانب موارد النقد الأجنبي الأخرى، لكن الوصول إلى 60 مليار دولار يظل مرهونًا بصافي التدفقات والالتزامات الخارجية وتغيرات تقييم مكونات الاحتياطي.

3 سيناريوهات ترسم مستقبل الدولار والاحتياطي حتى نهاية 2026

يتمثل السيناريو الأول في استمرار الدولار بالقرب من مستوياته الحالية، مع الحفاظ على مستويات مرتفعة من الاحتياطي، حال استقرار التدفقات الدولارية وعدم تعرض السوق لضغوط استثنائية.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في اختبار الدولار مستوى 58 جنيهًا، مع احتمالات تباطؤ نمو الاحتياطي أو انخفاضه، حال تجدد خروج استثمارات المحافظ الأجنبية وارتفاع الطلب على العملة الأمريكية، خاصة إذا اقترن ذلك بزيادة المدفوعات الخارجية، مع بقاء إمكانية ارتفاع الدولار دون انخفاض الاحتياطي إذا استمرت التدفقات الداعمة له.

فيما يتمثل السيناريو الثالث في تحسن المعروض الدولاري، بما يسمح بتخفيف الضغوط على الجنيه وتسارع نمو الاحتياطيات باتجاه 60 مليار دولار، بشرط أن تتجاوز الموارد الأجنبية الجديدة حجم الاستخدامات والالتزامات الخارجية، وألا تؤثر تغيرات تقييم الأصول سلبًا على الرصيد الإجمالي.

وتكشف هذه السيناريوهات أن العلاقة بين الدولار والاحتياطي ليست عكسية بالضرورة؛ فقد يرتفع سعر العملة الأمريكية بالتزامن مع زيادة الاحتياطيات، وفقًا لطبيعة التدفقات وآليات عمل سوق الصرف، بينما قد يؤدي استمرار الضغوط على الجنيه إلى زيادة تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج وتجدد الضغوط التضخمية.

وبذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام البنك المركزي لا يتمثل في منع الدولار من الوصول إلى 58 جنيهًا، وإنما في تحقيق التوازن بين مرونة الجنيه والحفاظ على كفاية الاحتياطيات واستقرار الأسعار؛ فالسيناريو الأكثر خطورة يتمثل في استمرار انخفاض قيمة الجنيه بالتزامن مع تآكل الاحتياطيات، بما يضع الاقتصاد المصري أمام ضغوط مزدوجة على العملة والموارد الدولارية.