قصة نجاح كويتية جديدة في مصر! ... كيف أعاد الاستحواذ تشكيل معادلة النمو؟
شيماء ناصر
شكّل استحواذ بيت التمويل الكويتي على مجموعة البنك الأهلي المتحد في سبتمبر 2022 نقطة تحول في مسار البنك الأهلي المتحد–مصر، قبل أن ينتقل إلى نموذج الصيرفة المتوافقة مع الشريعة الإسلامية في سبتمبر 2024، ثم يحمل رسميًا اسم «بيت التمويل الكويتي–مصر» في يناير 2025؛ وبين نهاية 2022 ويونيو 2026، لم تتغير ملكية البنك وهويته فقط؛ بل اتسعت ميزانيته، وتغيرت أوزان قطاعات العملاء داخله، وأصبح أمام معادلة مختلفة بين الموارد التي يجذبها والاستخدامات التي يوجهها إليها.
وتكشف المقارنة بين وضع البنك في نهاية 2022 ومستواه في يونيو 2026 عن تحول يتجاوز مضاعفة المركز المالي؛ فقد ارتفعت الأصول من 85.49 مليار جنيه بنهاية 2022 إلى 185.90 مليار جنيه بنهاية يونيو 2026، بنمو 117.4%.
لكن اللافت أن الودائع سجلت ارتفاعًا بوتيرة أسرع، إذ قفزت بنسبة 162.6% لتصل إلى 149.93 مليار جنيه بنهاية يونيو 2026، مقابل 57.09 مليار جنيه بنهاية 2022؛ وعلى مستوى مكوناتها، ارتفعت ودائع المؤسسات من 43.06 مليار جنيه بنهاية 2022 إلى 101.68 مليار جنيه بنهاية يونيو 2026، بزيادة 136.2%، بينما قفزت ودائع الأفراد من 14.03 مليار جنيه إلى 48.25 مليار جنيه خلال الفترة نفسها، بزيادة 243.9%، لترتفع مساهمة الأفراد في إجمالي الودائع من 24.6% إلى 32.2%.
وفي المقابل، ارتفعت التمويلات بنسبة 124.9% لتصل إلى 120.31 مليار جنيه بنهاية يونيو 2026، مقارنة بـ53.50 مليار جنيه بنهاية 2022؛ وعلى مستوى مكوناتها، ارتفعت تمويلات المؤسسات من 50.39 مليار جنيه إلى 105.88 مليار جنيه، بزيادة 110.1%، بينما قفزت تمويلات الأفراد من 3.10 مليار جنيه إلى 14.43 مليار جنيه خلال الفترة نفسها، بزيادة 364.8%، لترتفع حصة الأفراد من إجمالي التمويلات من 5.8% إلى 12%.
وهنا تظهر الصورة الأكثر دقة لمزيج النمو: الأفراد أصبحوا أسرع مكونات النشاط نموًا، لكنهم لم يصبحوا مركز الثقل؛فما زالت المؤسسات تمثل نحو 68% من الودائع و88% من التمويلات، وهو ما يؤكد استمرار النموذج المؤسسي كقاعدة رئيسية للنشاط.
وتزداد أهمية هذا التحول لأن نمو الأفراد ظهر على جانبي الميزانية معًا؛ فالبنك لم يجذب ودائع أفراد بوتيرة مرتفعة فحسب، بل وسّع أيضًا التمويل الموجه إليهم بوتيرة أعلى؛ وهو ما يعكس توسعًا تدريجيًا في عمق نشاط البنك مع قطاع الأفراد، وليس مجرد تضخم في أرصدة أحد جانبي الميزانية.
وعلى مستوى توظيف الودائع، تراجعت نسبة توظيف الودائع لمنح التمويلات من 93.7% في نهاية 2022 إلى نحو 80.2% في يونيو 2026؛ وخلال الفترة، أضاف البنك 92.84 مليار جنيه إلى ودائع العملاء، مقابل 66.82 مليار جنيه إلى التمويلات، ورغم أن المحفظة التمويلية زادت بأكثر من الضعف، فإن الودائع ارتفعت بوتيرة أسرع، بما وفر مساحة أكبر لإدارة السيولة وتوزيعها بين الاستخدامات المختلفة.
وتدعم الاستثمارات المالية هذه الصورة؛ إذ ارتفعت من 16.97 مليار جنيه بنهاية 2022 إلى 35.56 مليار جنيه بنهاية يونيو 2026، بنمو 109.6%؛ وهذا يعني أن الزيادة في الموارد لم تتحول بالكامل إلى ائتمان، وإنما انعكست أيضًا على مكونات أخرى من الأصول، ومن هنا تظهر إحدى أهم نتائج المقارنة: التحدي لم يعد في بناء قاعدة موارد أكبر، وإنما في رفع كفاءة توظيفها وتحويلها إلى أصول منتجة.
وفي موازاة توسع النشاط، ارتفعت حقوق الملكية من 10.52 مليار جنيه بنهاية 2022 إلى 23.28 مليار جنيه بنهاية يونيو 2026، بنمو 121.2%، كما ظلت حقوق الملكية تمثل نحو 12.3% من الأصول بنهاية 2022 ونحو 12.5% بنهاية يونيو 2026.
وهنا تتحدد طبيعة المرحلة التالية؛ فقد أظهرت السنوات التي أعقبت الاستحواذ قدرة البنك على توسيع ميزانيته، وتنمية قاعدة موارده، وزيادة وزن الأفراد، مع الحفاظ على المؤسسات كركيزة أساسية؛ لكن انخفاض نسبة توظيف الودائع يجعل السؤال المقبل مختلفًا: ليس كم يستطيع البنك أن ينمو، وإنما كيف سيحوّل النمو الذي حققه إلى إنتاجية أعلى.
ولم يقتصر اتساع النشاط على الميزانية، بل انعكس أيضًا على قدرة البنك على توليد الدخل؛ إذ ارتفع صافي الربح من 2.01 مليار جنيه خلال 2022 إلى 4.08 مليار جنيه خلال 2025، بنمو بلغ 103.5%، بما يعكس تضاعف مستوى الأرباح خلال فترة التحليل.
وامتد هذا الارتفاع إلى مصادر الدخل الرئيسية؛ إذ قفز صافي الدخل من العائد من 3.03 مليار جنيه خلال 2022 إلى 7.64 مليار جنيه خلال 2025، بنمو152.0%، كما ارتفع صافي الدخل من الأتعاب والعمولات من 495.6 مليون جنيه إلى 849.5 مليون جنيه خلال الفترة نفسها، بنمو 71.4%، ليظل صافي الدخل من العائد المحرك الأبرز لزيادة الدخل خلال فترة التحليل.
اختبار إنتاجية النمو
تكشف المقارنة في مجملها أن عملية الاستحواذ أعقبتها إعادة صياغة تدريجية لمزيج أعمال البنك، وليس مجرد زيادة في حجمه؛ فقد ارتفعت قاعدة الموارد بوتيرة أسرع من التمويلات، وأصبح قطاع الأفراد مكونًا أكثر حضورًا وأسرع نموًا، بينما حافظت المؤسسات على موقعها كقاعدة رئيسية للنشاط؛ وبذلك، أصبح البنك أمام قاعدة أعمال أوسع وأكثر تنوعًا، دون أن يتخلى عن مركزه المؤسسي.
وتضع هذه التحولات البنك أمام اختبار المرحلة التالية؛ فبعد أن أثبت البنك قدرته على زيادة الحجم وتنمية الموارد وتوسيع قاعدة العملاء، يصبح التحدي في رفع إنتاجية هذا النمو، عبر توظيف قاعدة الموارد بصورة أكثر كفاءة، وتحويل التوسع في قطاع الأفراد إلى نشاط مستدام، مع الحفاظ على قوة محفظة المؤسسات.
فالمرحلة التي أعقبت الاستحواذ أوجدت قاعدة نمو أكثر اتساعًا؛ أما المرحلة المقبلة فستحدد مدى قدرة بيت التمويل الكويتي – مصر على تحويل هذه القاعدة إلى ميزة تنافسية مستدامة.












